ابن الأثير
373
الكامل في التاريخ
الثبات على سروجهم ، وهذه البلاد له ، ونحن مماليكه ونوّابه فيها ، فإن أراد عزلك سمعنا وأطعنا ، والرأي أن تكتب كتابا مع نجّاب تقول فيه : بلغني أنّك تريد الحركة لأجل البلاد ، فأيّ حاجة إلى هذا ؟ يرسل المولى نجّابا يضع في رقبتي منديلا ويأخذني إليك ، وما هاهنا من يمتنع عليك . وأقام الأمراء وغيرهم وتفرّقوا على هذا ، فلمّا خلا به أيّوب قال له : بأيّ عقل فعلت هذا ؟ أما تعلم أنّ نور الدين إذا سمع عزمنا على منعه ومحاربته جعلنا أهمّ الوجوه إليه ، وحينئذ لا تقوى به ، وأمّا الآن ، إذا بلغه ما جرى وطاعتنا له تركنا واشتغل بغيرنا ، والأقدار تعمل عملها . وو اللَّه لو أراد نور الدين قصبة من قصب السكّر لقاتلته أنا عليها حتّى أمنعه أو أقتل [ 1 ] . ففعل صلاح الدين ما أشار به ، فترك نور الدين قصده واشتغل بغيره ، فكان الأمر كما ظنّه أيّوب ، فتوفّي نور الدين ولم يقصده ، وملك صلاح الدين البلاد ، وكان هذا من أحسن الآراء وأجودها . ذكر غزوة إلى الفرنج بالشام وفي هذه السنة خرج مركبان من مصر إلى الشام فأرسيا بمدينة لاذقيّة ، فأخذهما الفرنج ، وهما مملوءان من الأمتعة والتجّار ، وكان بينهم وبين نور الدين هدنة ، فنكثوا وغدروا ، فأرسل نور الدين إليهم في المعنى وإعادة ما أخذوه من أموال التجّار ، فغالطوه ، واحتجّوا بأمور منها أنّ المركبين كانا قد انكسرا ودخلهما الماء . وكان الشرط أنّ كلّ مركب ينكسر ويدخله الماء يأخذونه ، فلم يقبل
--> [ 1 ] وأقتل .